محمد خضير: القصة العراقية اليوم نوع محلي رث

المقاله تحت باب  حوارات و لقاءات
في 
18/01/2013 06:00 AM
GMT





   تستطيع نصوصي أن تسافر وتغادر مكانها بدلاً مني
ينهضُ المشهد السردي في العراق، على عدد من الأسماء الإبداعية التي تساهم في تشكيل هُويته التي ينماز بها عن السرديات العربية. إنّ النظرة المتفحصة لأحداث الستينيات، وما مرَّ به المجتمع العربي بعامة والعراقي بخاصة، على أكثر من اتجاه، جعلت كتابة القصة تتطوّر على أكثر من مستوى، وتجلّى ذلك من خلال زاوية معالجتها للثيمات، وسعة حدثها، والتغيرات الجذرية على لغتها الفنية وتنوع الشخصيات، وتباين الوقائع الثقافية والسياسية والاجتماعية التي انعكست على بنيتها.
القاص، محمد خضير، أو نخلة البصرة كما يسميه البعض، واحد من الأسماء الثقافية المهمة التي مثلت إضافة حقيقية وجادة في تجربة القصة العراقيّة، فأصبح من علاماتها. ولد في البصرة جنوب العراق عام (1942)، وتخرج في دار المعلمين وما يزال معلمًا في مدارسها. يؤمن خضير أن من يخرب عشه في مكانه الشخصي، يمكنه أن يخربه في أي مكان آخر. لذا، لم يفكر بمغادرة بلده، فظل مثابرًا ووفيًا لنصوصه، يتابع عبر أدبيته ما يحدث لمدينته من حروب ودمار.
عُرف في السردية العربية بعد أن نشر نصًا بعنوان(الأرجوحة) في مجلة الآداب البيروتية آنذاك، والنص جزء من مجموعته القصصية الأولى: (المملكة السوداء) عام 1972. ثم تتالت إصداراته الأخرى: ( في درجة 45 مئوي) عام 1978و(تحنيط) 1988 ليكون بعدها مع (بصرياثا ـ سيرة مدينة) عام 1994، وهي سيرة ذاتية لمدينة تقع تحت القصف اليومي. ثم (رؤيا خريف) عام 1995. و(كراسة كانون) 2001، و(حدائق الوجوه) الذي صدر في 2008. وله في النقد كتاب بعنوان: (الحكاية الجديدة) صدر عن دار أزمنة في الأردن عام 1995. اقتربنا من عالم محمد خضير السردي، فكان الحوار التالي:
 * ولدتَ سرديًا بعد نكسة 1967. كيف وجدتَ تجربة الكتابة في البداية؟
- ثمة تواريخ فارقة في تجربتي الكتابية، مثلاً بدأتُ إجابتي على أسئلتكم في الرابع عشر من تموز، لأنني أعدّ هذا اليوم من عام 1958 حدّا فاصلاً بين شخصيتين، شخصية ما قبل الرشد وشخصية ما بعد الوعي بالحياة والكتابة والسياسة. ومثل ذاك تاريخ الخامس من حزيران 1967 الذي وضع فصلاً جديداً في وعي التجربة بالكتابة. ولعل هذا التاريخ كان الوقت الحقيقي الذي بدأتُ فيه وعياً جديداً بالهُوية القومية للكتابة تحت ضغط الشعور بانكسار العرب أمام إسرائيل واندلاع المقاومة الفلسطينية. لكن هذا الشعور امتزج بحوادث أخرى فيما بعد حتى صار شعوراً عالمياً وإنسانياً. فالكتابة فعل كوني، كما أعتقد. كما أنه يكتسب مشروعيته من الخصوصية المحلية. وأخصُّ من هذا فهو شعور شخصي وذاتي في أواخر العمر. هكذا أنظر إلى التواريخ العظيمة باعتبارها حافزاً للوعي الأوّلي، ونقاط انطلاق أساسية للوعي، ومنها تاريخ 2003 باعتباره فجوة تاريخية بدأتُ أملأها بمحاولات وهواجس ذاتية. كل تاريخ منعطف نحو مسار جديد وبداية مختلفة لوعي أدبي أكثر افتراقاً من الأرض الأولى والنشأة الأولى.
* ماذا بقي من "أرجوحة" محمد خضير البصرية؟
- "الأرجوحة" قصة من زمن "المملكة السوداء" أيضاً. بعدها جرت مياه كثيرة، بل دماء غزيرة، وولدتْ من رحم المدينة القديمة تواريخُ جديدة. فقد بلغنا فاصل التغيير في العام 2003 وثورات الربيع العربية. تحول مسار الحلم القديم ونشأت فواصل في أثره. بعد ذلك النص نشأت نصوص في أوقاتها. عبرت نصوصي مرحلة الوعي أو اللاوعي البروستي والجويسي. لا تتطور النصوص مع ظروفها التاريخية فحسب، لها مسارها الداخلي كذلك. صار ضرورياً اكتشاف الذات التي أفرغها التاريخ العنيف من أحلامها، ومع الزمن خفتَ ذلك الغرور والاندفاع. لا أثق بغرور الكتابة كثيراً. صار البطء والتوجس سمة الحاضر. لكن القلق مستمر. إنه قلق "الذات الكونية" حول المستقبل. مستقبل الحياة ومستقبل الكتابة بتعبير أدقّ.
 * ماذا يعني "الشفيع" في المجموعة نفسها بالنسبة إليك، وبخاصة في الوقت الحاضر؟
- كذلك "الشفيع" فهي من مرحلة الانتماء للواقع الجمعي، واقع الطقوس الرثائية والهجائية. كانت هذه القصة المكتوبة في تموز 1967 تعلقاً بواقع المأساة العراقية وكشفاً ميثولوجياً لأعماقها الجمعية بمنظور تشبيهي وتمثيلي لمأساة كربلاء. كنتُ واحداً من نهر الجموع البشرية المنوَّمة جمعياً، تنجرف وتتدهور في سرداب النكسات والتمثيلات الجمعية التي لم تتوقف حتى اليوم.
الرواية العراقية
* هل القصة العراقية، إذن تتنفس الواقع أم أنها مصفوفة كتابية يقرأها المختصون؟
 - القصة العراقية اليوم نوع محليّ رث يتنفس التلوث البيئي والاجتماعي والسياسي. قصتنا أصبحت طقساً تمثيلياً لأسوأ التمثيلات السابقة. تتنفس هواء القطوع التاريخية الماضية. وفيما يظن كتابها أنهم أحدثوا قطعاً في المصفوفة الافتراضية للواقع، إلا أنهم يتدهورون في فوضى السقوط في ميراث السرد المحلّي. هذا حكم نقدي عام ألجأتني إليه روايات عراقية صدرت منذ عام 1991، تتلمس سبيل التغيير الحقيقي في ظروف قاسية. لقد خلقت حروبُ العراق فوضى كبيرة في البناء الأيديولوجي والجمالي للنصوص الحالية.
* ما الذي يبعث في محمد خضير الكتابة: التجربة أم الرؤيا أم ماذا؟
 - إني أعيش حالياً وضعاً خاصاً ولي مصادري الخاصة. أواجه حقاً فوضى التاريخ العام بحلول فردية، علمتني التجربة السابقة على التمسك بها. أدرّبُ نفسي على الارتقاء بنصوصي كي تبلغ درجة الوعي بالسفر والهجرة. تخلص أدباء عراقيون قبلي بالهجرة بعيداً عن هذه الفوضى. أحسنوا صنعاً، لكنني غير قادر على اقتفائهم، إني أنغمس كلياً في مأساة الجموع. مضى على كتابة أول نص لي خمسون عاماً، وما زلت أعمل بدوافع نشأتي الأولى، أي بالروح الحية التي أسبغها فاضل العزاوي على جيل المأساة. أعمل بجذوة صغيرة من هذه الروح، وأحميها من ضربات الفوضى التاريخية التي سقطنا فيها.
* هل انتهت حديقة السرد أم ما زال هناك حدائق قادمة بالنسبة إليك؟
- أعتقد أن الكاتب يؤلف عدداً محدوداً من الكتب، فهو ليس معملاً لتفريخ النصوص اللاإرادية. بالنسبة لي أحاول التحكم بإرادتي لصنع عدد محدود من الكتب. جيناتي السردية تقول لي ذلك. الرياح الجافة والحرارة العالية تشير إلى ذلك أيضاً. مناخنا صحراوي معادٍ لإنتاج الحدائق السردية اليانعة. إنه صالح فقط لإنتاج سفسطائيات فارغة من المتعة والجمال.
* في كتابك الأخير (حدائق الوجوه) تستدعي السياب. هل ثمة علاقة بين الشعر والسرد في تجربتك؟
- السياب رابط مشترك بين الحداثة الشعرية والحداثة السردية، استدعاه نظام (الحدائق) ليناسب محاولتي أسوة بروابط المعري وجبران وطاغور، وهؤلاء جميعاً روابط مناسبة مع أدباء آخرين أمثال ماركيز وبورخس. إنهم مناسبون لكل الأزمان، لكني استدعيت السياب من بين هؤلاء البستانيين العظام ليفتتح الصفحة الأولى من كتابي.
* الرواية حرفة من تجاوز الأربعين كما يُقال. هل هذا صحيح في تجربتكَ القصصية؟
- لستُ روائياً محترفاً. لدي رواية واحدة لا تحسب على الروايات الكاملة. لكني من ناحية أخرى وصلتُ إلى قناعة بأن كل ما يكتبه سُرّاد القصص يكتبونه بقصد كتابة رواية. وهم لا يصلون إلى هذه القناعة بعامل السنّ، إنما هم يمتثلون لرؤية أساسية محتومة بضرورة الرواية. (حدائق الوجوه) مكتوبة بهذا القصد، وهي مجموعة قصص مرتبطة في نظام روائي. لقد سبق الشعرُ بقية الأنواع في هذا التصور البنائي المترابط. نأخذ (كتاب) أدونيس الشعري مثالاً على انتهاء مرحلة الديوان المجموع من قصائد متفرقة، وبداية التصور لبناء موضوع شعري مترابط الأجزاء.
* ماذا أضافت الحرب على السرد العراقي لغةً وتشكيلاً؟
 - الحرب فعل عنيف اخترق شخصية الفرد العراقي واستقرّ فيها. تستطيع أن تقرأ هذا الخرق في السلوك العام للأشخاص الذين تلتقيهم أو تتحدث إليهم. لكن الأدباء لم يتمثلوا الشعور بالحرب لغوياً إلا على السطح الكلامي دون الرؤيوي، بالرغم من أن كل ما ينتجونه ممسوس بذاكرة الحروب المتوالية. تستطيع أن تلاحظ ذلك من المعجم الرمزي للألفاظ المنتظمة في نص ما. أستطيع أن أقول إن نسق الكتابة الأدبية في العراق هو نسق حربي، معبأ بالرموز التدميرية، وقلما تقرأ نصاً حديثاً يتجنب هذا المعجم. قاموس الحرب في الأدب العراقي كبير ويتطلب تشذيبه. حاولت من جانبي أن أتمثل الحرب رؤيوياً في مجموعتي (رؤيا خريف) فأنتجتُ ما يشبه النصوص البابلية والإشراقية القديمة. لهذا بدت نشازاً عن القاموس الصوتي والبنائي لسردنا الموروث.
* لم تغادر العراق أبداً. هل هناك علاقة واضحة بين السارد والمكان؟ وبخاصة أن أغلب ثيمات مشغلك السرد مكانية؟
- نعم، كما قلت، ذاك اختيار من نشأتي الأولى، لكني أحاول أن أبحث عن أكثر من نشأة لطبيعتي العقلية والروحية. تستطيع نصوصي أن تسافر وتغادر مكانها بدلاً مني. حاولت في (بصرياثا) السفر انطلاقاً من المكان الأول. جميع نصوصي تحاول السفر من المكان الثابت عبر اللغة والشكل والرؤيا.
السرد والسياسة
* كيف يتداخل السياسي والثقافي في فضاء الكتابة؟ برأيك هل ثمة صراع بينهما؟
- يتداخل السياسي والثقافي في نصوصنا تداخلاً قسرياً أو قدرياً، لا فكاك من نتائجه. الروايات المنتجة بعد عام 1991 تعطيك أكثر من مثال على هذا الارتباط المفعم بالعنف والقدرية. أنت تشم رائحة الثأر والانتقام حتى في النصوص الغنائية والعجائبية. أعتقد أن الكاتب العراقي خائف من مواجهة الوظيفة العضوية والوجودية للنص الشعري والروائي، وغالباً ما يرتد على ذاته ليعذبها بالمخاوف وسلطة الماضي ورموزه بدلا من مساعدتها على الخروج الحرّ والقويّ إلى العالم. أعتقد أن ما ننتجه لا يعدو نوعاً شيزوفرينياً من زواج الأدبي والسياسي. وفي خاطري الآن رواية الهندي أرافيند أديغا (النمر الأبيض) أقدمها مثالاً على تناظر الموقفين الثقافي والسياسي في نصّ ناجح.
* بماذا تختلف هوية السرد العراقية عن السرد العربي؟ هل من خصوصية للسرد العراقي؟
- كنت دائماً مشغولاً بدمج هُويتي السردية بهوية السرد العربية، لما بينهما من قضايا قومية مشتركة. تجلى ذلك في القصص القصيرة التي كتبتها عن حرب حزيران وتشرين. لكني أشعر اليوم بضعف هذه الروابط. بل أشعر بانفصال الهويات السردية العربية بعضها عن بعض. نشأت روابط ووقائع من نوع آخر. مثلاً السردية النسوية العربية. أما السرد العراقي فهو مشغول برموز الماضي وتحولات الحاضر. أعتقد أن كاتب القضايا القدرية ومنها القضايا القومية يسير في الاتجاه الذي تمليه عليه لوازم الكتابة ذاتها والبحث في أعماقه عن نور باق من سنوات التخبط في ظلام المحاولات المصيرية.
* هل يمثل العام 1991 الانعطاف الروائي في تجربة السرد العراقي ؟
- انعطاف 1991 دليل على خصوصية الرواية العراقية، ومثله انعطاف الرواية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، والرواية المصرية بعد اتفاقات السلام، والرواية السعودية في خضم ارتفاع المطالبة بالحقوق المدنية والجنسانية. ومثلها خصوصيات الرواية اللبنانية والمغاربية والسودانية ذات الأصول الملقحة بتحولات سياسية وثقافية خارجية وداخلية. والرواية الأردنية الناشئة على حدود الصراع الفلسطيني. لاحظتُ أن انهيار العسكرتارية العراقية في حرب الكويت عام 1991 قد انعطف بالتعبير الروائي نحو التغيير. إني أشدد على النوع الروائي باعتباره تحدياً مزدوجاً للذات الكاتبة إزاء الهزيمة العسكرية. تحدي الانطواء على خصوصية محلية، أو التغيير باتجاه تجارب روائية افتراضية. كتبتُ سلسلة مقالات أتتبعُ فيها جذور هذا الانعطاف نحو الرؤية الافتراضية، فوجدته يبدأ في العام 1991.
* وكيف تقرأ ما يحصل في البلدان العربية بعامة، والعراق بخاصة؟
- ما يحدث في البلدان العربية، التي مسّها التغيير، يبعث على التفاؤل والارتياح. إن التغيير مهما كانت نتائجه السياسية هو حركة ثقافية تقدمية، ومرحلة تنوع وإثارة لمشكلات ثقافية جديدة. يحاول الوسط الثقافي في العراق أن يساير ما يحدث حوله ويستبق التوقعات. علمته المحن والانقلابات والغزوات على الاستعداد لتحولات قادمة. هذا يحدث في الكتابة والتعبير الأدبي أصلاً. إن الأدباء والكتاب العراقيين في قلب الأزمة دوماً، بالرغم من غياب النخبة العضوية التي كانت تقود التحولات الكبرى في البلاد.
* كيف ترى وضع المثقف العراقي في ظل الاستقطاب الحزبي للمثقف؟ هل يمكن الحديث عن مثقف حقيقي؟
- يدور في صحافتنا حديث شبه يومي عن هوية المثقف الحالي ودوره في ظل تعقيدات الوضع السياسي والاستقطاب الحزبي. هذا الجدال العقيم يتجاهل قدرة المثقف العراقي على التكيف والتحول والنجاة من الأزمات القاتلة. مرّت بالمثقف العراقي أوقات أشد يأساً من أوقاتنا الحالية، مثلاً ما بعد 1963، إلا أن تلك الفترة كانت حافزاً لتجميع القوى المنهكة روحياً وأدبياً من جديد. تمتلك الثقافة العراقية جذوراً حية وتقاليد ثابتة. وبين حين وآخر تُستدعى هذه الروح الحية لإنقاذ الثقافة من كبواتها. لدينا اليوم جيل أدبي مهاجر خارج العراق قادر على تمثيل التنوعات الثقافية التي تزخر بها الشخصية العراقية في ماضيها وحاضرها.
* محمد خضير الناقد/ السارد هل يرى أطروحة ثقافية قادرة على النهوض بالعراق مستقبلا؟ بماذا تحلم تحديدًا؟
- أطروحتي التي أقدر على طرحها من موقعي في طرف (الجمهورية) المترامية الأطراف، هي رؤية (دينو بوزاتي) في قصته (الرسل السبعة) أي اكتشاف حدود المملكة التي يجهل ملكها حدودها وطبيعتها الطبوغرافية والديموغرافية. الفهم والاكتشاف والسفر تأتي أولاً، تحديد مساحة الأطروحة (المشكلة) والتأمل فيها طويلاً، هذه هي المهمة. فإن قضينا العمر في الرحيل (البدني أو الذهني) المتكرر إلى أطرافها وطرقها، فهو الشرف الذي ما بعده مال أو لقب أو حكم أو حياة. تتملكني أحياناً فكرة أن أتخلى عن كل شيء لكي أتفرغ لاكتشاف حدود بلادي. ماذا يعني لي مستقبل بلادي، إذا كان كل فرد فيها يبني حائطاً حول بيته؟ إن مستقبلي، أو مستقبل أطروحتي، هو أن ألتحق بالرسل السبعة في قصة بوزاتي، حتى يأتي الوقت الذي لا يعود أحد من الرسل إلى عاصمة مملكته، التي انطلقوا منها واحداً بعد الآخر. من يرسلني؟ بالطبع يرسلني قدري الذي ما انفك يوجه كل فرد يسكن في هذه البلاد.